عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
26
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الباب الأول : في الذات اعلم أن مطلق الذات هو الأمر الذي تستند عليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها ، فكلّ اسم أو صفة استند إلى شيء فذلك الشيء هو الذات ، سواء كان معدوما كالعنقاء فافهم ، أو موجودا ، والموجود نوعان : نوع موجود محض ، وهو ذات الباري سبحانه وتعالى . ونوع موجود ملحق بالعدم ، وهو ذات المخلوقات . واعلم أن ذات اللّه سبحانه وتعالى عبارة عن نفسه التي هو بها موجود لأنه قائم بنفسه ، وهو الشيء الذي استحق الأسماء والصفات بهويته فيتصوّر بكل صورة يقتضيها منه كل معنى فيه ، أعني اتصف بكل وصف يطلبه كل نعت ، واستحق لوجوده كل اسم دلّ على مفهوم يقتضيه الكمال ؛ ومن جملة الكمالات عدم الانتهاء ونفي الإدراك ، فحكم بأنها لا تدرك ، وأنها مدركة لاستحالة الجهل عليه فاعلم ، وفي هذا المعنى قلت في قصيدة : أحطت خبرا محملا ومفصلا * بجميع ذاتك يا جميع صفاته أم جلّ وجهك أن يحاط بكنهه * فاحتطه أن لا يحاط بذاته حاشاك من غاي وحاشا أن تكن * بك جاهلا ويلاه من حيراته واعلم أن ذات اللّه تعالى غيب الأحدية التي كل العبارات واقعة عليها من وجه غير مستوفيه لمعناها من وجوه كثيرة ، فهي لا تدرك بمفهوم عبارة ولا تفهم بمعلوم إشارة ، لأن الشيء إنما يفهم بما يناسبه فيطابقه ، أو بما ينافيه فيضاده ، وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا مناف ولا مضاد ، فارتفع من حيث الاصطلاح إذا معناه في الكلام وانتفى بذلك أن يدرك للأنام ، المتكلم في ذات اللّه صامت ، والمتحرك ساكن والناظر باهت ، عزّ أن تدركه العقول والأفهام ، وجلّ أن تجول فيه الفهوم والأفكار ، لا يتعلق بكنهه حديث العلم ولا قديمه ، ولا بجمعه لطيف الحد ولا عظيمه ، طار طائر القدس في فضاء هذا الجوّ الخالي ، وسبح بكليته في هواء هذا الفلك العالي ، فغاب عن الأكوان واخترق الأسماء والصفات بالتحقيق والعيان ، ثم طار محلقا على أوج العدم بعد أن قطع مسافة الحدوث والقدم ، فوجده واجبا لا يجوز